المشاركات

فارهو والصراع من أجل البقاء_ حول رواية دفاتر فارهو.

صورة
كاميرا، يحملها الكاتب أو الشاعر مثلما يحملها المصوّر ليلتقط تلك الصورة الإستثنائية، والتي يرغب بأن يُريها للعالم أجمع ،صورة تُجسّد فيها كل المشاعر والعواطف، وتبعث رسالة شديدة اللهجة، قاسية، عاطفيّة، إنسانيّة هذه هي الصورة    المطلوبة وهذا ما فعلتهُ الكاتبة العُمانية ليلى عبدالله في روايتها الأولى، دفاتر فارهو. لقد ركّزت عدسة الكاميرا على لقطة وزاوية واحدة. إسقاطات سرديّة على حياة الأطفال اللاجئين، المشردين المهمشين. والحقيقة هي إسقاط سرديّ لتتبّع مصائر الهاربين عن الحرب، والفارين من المجاعات، والباحثين عن حياة طبيعية، مزدانة بالحرية والسلام، والأمن. إسقاط نفسيّ أشبه بدراسة ما يحدث خلف ما نظن أننا نراه بوضوح. ليلى في روايتها جسّدت الجحيم اللامرئي غالبا للمُنعمين، وللذين يكتفون فقط بتتبع الصور، و يصابون بالحزن لدقائق ثم يخرجون للإحتفال بصخب. ليلى أرادت نقل صورة، في لغة أدبية أتقنت التحكم بها جيدا. دفاتر فارهو، فارهو الطفل الصومالي، الذي حكى لنا في دفاتره كل الأسرار ، فارهو الراوي الذي استخدم في السرد لغة السخرية للتعبير عن وجعه. السخرية في التعبير هي اللغة الن...

قطٌّ عجوز ينتظرُ موته

صورة
صنعتُ لي كوب قهوة،وحملت معي الكتاب الذي أقرأ فيه هذه الأيام، وأنا أعلم يقينا أنني لن أقرأ ولو سطرا واحدا من الكتاب ما دمتُ أشرب أو أتناول حاجة ما؛ إنه الاضطراب الذي يتكوّن في رأسي وداخلي في كل مرة أُمارس عدة أفعال في وقت واحد. كل شيء يستيقظ، ويريد أن يثرثر. جميع الأصوات تريد أن تتحدث في وقت واحد، ولن ينصت لي أي صوت، وهذا يفزعني، ويدفعني للبكاء. أجلستُ الكتاب بالقرب مني؛ كصديقٍ خجول، لا يثرثر، ويكتفي بالمراقبة. أنت تحتاج هكذا أصدقاء في حياتك؛ صديق لا تسمع صوته إلا نادرا، يجلس معك، لكن مهمته أن يُراقب، يصطاد الحَركات، وإن تحدّث سيكتفي بقول جملة واحدة، تبقى ترنّ طويلا في أذنك. لا أجلس عادة وحدي؛ فالقطط التي تتسكع في المكان الذي أقضي فيه أيامي، تركض ناحيتي ما إن أفتح الباب، وأقعدُ على الدرج، مُراقبة السماء، والأشجار، والماشية التي ترعى بالقرب من الوادي. قطٌ يافع امتلأ جسده مؤخرا بعد أن أصبح قليل الحركة مكتفيا بالنوم وتناول الطعام الذي أُقدّمه له. قطٌ آخر  عجوز، يقضي أيامه الأخيرة، يسعل، يعطس، بالكاد يموء، ينتظر موته، وأنا أشرب قهوتي.  فكّرت في الحياة والموت وأنا أرتشف قهوتي، الت...

بول أوستر مُحدقا في المرآة_ حول سيرته حكاية الشتاء.

صورة
لطالما طالك الفضول لقراءة سيرة كاتب وقعتَ في غرامه،ومازلت تفغر فاهك في كل مرة تقرأ له عملا ما. لكنك ما إن تقبض على إحدى كتبه المنتمية لجنس السيرة الذاتية، حتى تشعر بأنك تُمسك بين يديك بالكاتب الذي لطالما أحببته،ليس لأن الكاتب يقول الكثير في كتابه؛ولكنه أنت من بدأت ترى كيف يُعرّي هذا الكاتب ذاته في كتابه. إنه يقشر نفسه،من دون أي خوف قد يعتريه، ومن دون أن يشوّه الذات الكاتبة أو يُعكّر صفو الصورة الذهنية للمتلقي. وحده بول أوستر من يكتب هكذا. هذا ما رأيته. كتب يوميات سرديّة بتقنية الفلاش باك. حوادث عادية يومية قادرة على أن تقلب موازين حياتنا وأحلامنا، أوستر سلّط عليها الضوء.يرى أوستر أن السرد يبدأ أولا في جسده ومن جسده وينتقل من الطفوله، الصبا، إلى الشيخوخة. يمكن القول أن ما تركه أوستر في هذه السيرة هو صورة بانورامية للإنسان والحياة، والجسد، الروح، وللغريزة، وللشيخوخة كذلك. كل هذا قد وضعه في قالب سرديّ لاهث. هذه اليوميات كثيرة الحركة، بل إنها لا تكف عن الحركة، تقفز وتتحرك، وتتسم بالعاطفة التي لطالما حاول أوستر إخفاءها. سيجد القارئ أنه يقف في منتصف أزمة الموت التي إتّكأ عليها أوستر حين ...

عيد ميلاد سعيد ماري.

صورة
لطالما أحسست وأنا أحدّق في وجه الشاعرة والروائية الكندية مارغريت آتوود، بأنني أنظر في المرآة وأرى انعكاس وجهي؛ شعرٌ لا تملك صاحبته وقتا لتهذيبه، وإن كانت تملك الوقت في الحقيقة فهي حتما لن تقضيه في تسريح شعرها أو النظر إليه/ فيه. إذ أنه الخوف الدائم من فكرة أن تُلامس أصابعنا كائناتنا الخفيّة، التي اعتدنا أن ندسّها في شعر الرأس، ثم نُهمله_أي الشعر. مَنْ سيفكر في أمر تمشيط شعره، هو حتما سيفكر في شكل الخدوش وهي تتكون على وجوه إحدى الكائنات المندسة في شعر الرأس. سيجرح المشط حتما كائنا ثرثارا، لا نفكر يوما بخسارته، أو حتى التخلي عنه؛ إنه الكائن النشط للكاتب، والمفضل للشاعر. أو قد يُحدث مرور المشط على ظهر إحدى الكائنات المستلقية، والذي عادة ما يكون صامتا، ولا يتحدث إلا في أيام الحزن والعزاء. يرفع صوته بنبرة رجل دين يُلقي خطبة، قائلا: نكرر الجملة مجددا؛ إن الحياة ليست بتلك الحلاوة؛ إنها النحيب المتواصل، إلخ من ذاك الخطاب الذي يتكرر دائما، وتكون قد حفظته، لكنك مع هذا غير قادر على ترتيله على نفسك. بينما عين مارغريت، تبدو لي أشبه بعين قطٍ أخافني مرةً وأنا في الثالثة والعشرين من عمري، لحظة كن...

في يوم مشمسٍ

صورة
تظن، وقد يتحوّل ظنّك لليقين إنْ طال أمدُ استمرارية الظنّ؛ إذ أن كل الأشياء قابلة للتحوّل تحت ظروف التمدد، والإستمرارية. تظن أنك لن تنمو مجددا بعد سن الثلاثين، وأن الأمر الوحيد الذي سيطرأ عليك هو تغيّر لون شعرك إلى اللون الفضيّ، أو كما ستقول الأبيض. هذا التغيير الذي سيجر خلفه الكثير من التقلبات عليك، ولن تكون قادرا على تجاوزها. قد ينجح البعض في تجاوز سن الثلاثين، أو تجاوز أزمة العمر، ولكنك حتما ستقف أمام وجهك الذي تغيّر، وأنت تنظرُ في المرآة كل صباح، متحسسا بأصابعك خطوط وجهك. ترتّب شعرك، تفكر في إضافة صبغة جديدة عليه؛ كي يكسب لونا جديدا، ولا يظهر اللون الفضيّ، المُقلق، المخيف، الذي يجعلك تتعرق وتنزوي في غرفتك، مُفكرا بجدٍّ بالأيام القادمة. ستنتبه لأول مرة لجرحٍ كُنتَ قد أصبت به ذات يوم، تمر تفاصيل ذاك الجرح على عينيك، فتبتسم، ثم يعبس وجهك وقد تبكي؛ إنك تظن أنه لم يعد بمقدورك أن تحصل على جرح مماثل لذاك الجرح، وأنت في هذا العمر _كنت قد حصلت على هذا الجرح وأنت تلعب الغميضة مع الصغار يوم كنت في العاشرة من عمرك، وقد تعثرت قدمك فوقعت أرضا على البلاط، وانسابت الدماء، وارتفع صراخك_ وأن كل م...

فيلم درامي رومانسي ليوم واحد

صورة
 _ لطالما حاولتُ أن أقع في حب الأفلام الرومانسية، ومع هذا فشلت، الأمر ذاته يكاد يكون مع الأفلام الدرامية الرومانسية، رغم أنها تحتل الجانب الأكبر في مجال السينما.  ولكنني بقيتُ أصاب بالضجر من الأفلام الدرامية الرومانسية، التي قد تجعلني أتحسّر أنني أضعت وقتي ساعة مشاهدتها، و في قرارة نفسي بقيتُ أناقض فكرتي؛ الأفلام، كالكتب، مع أن الكاف هنا الملتصقة بالكتب قد تجعل من الفيلم والكتاب مادة واحدة وهذا ما لا أعنيه؛ إذ أن الأفلام تقع في صف الكتب، والكتب تقع في صف الأفلام؛ الكتب والأفلام ليست بالمواد الثابتة، وهذا يعني أنه مثلما تكون هنالك كتب مُملة مُضجرة، تجعلني أفكر في قيمة الكتاب الذي ابتعته، وكان يمكنني شراء كتاب آخر من النوع الذي أُحب؛ كذلك هنالك فيلم مُمل، ولا نكهة فيه،وتفضّل لو أنك قضيت تلك الساعة في عمل أمر آخر، حتى لو كنت ستنام وستمضي ساعة من عمرك في النوم؛ إذ أن هناك فئة تظن أن النوم مضيعة للوقت، وأن المرء لايجب عليه أن ينام إلا عدد معين من الساعات. مع هذا لا أعلم لماذا تجوّلت قبل ثلاثة أيام في متصفح الأفلام الذي أحمله معي في جهازي؛ كم تدهشني وتخيفني هذه التقنية والحداثة: ...

بين القصة القصيرة والفيلم السينمائي.

_  القصة القصيرة والفيلم السينمائي: أصحو من نومي عند التاسعة تماما، لهذا الصباح الذي نظرتُ له من النافذة فوجدتهُ نصف غائم. عبثتُ بالهاتف قليلا، وسحبتُ الكتاب الذي يجلس على الطاولة الملاصقة للسرير، قرأت صفحة واحدة منه، ثم انتبهت إلى أن الساعة قد أصبحت العاشرة والنصف. الوقت، يسير بسرعة! خرجتُ من الغرفة، أحضرت لي كوب شاي، ونصف خبزة، قمتُ بتشغيل التلفاز، و قلّبت القنوات بسرعة إلى أن وصلت إلى قناة Dubai 1؛ من أسبوع وأنا مغرمة بمسلسل يعرض على القناة، ولأنني قد نسيت أن اليوم هو الثلاثاء، ولايعرض المسلسل، وعوضا عن هذا كانت شارة بداية فيلم ما قد ومضت في الشاشة، عليه لابأس لنشاهد الفيلم يا عائشة.  ظهرت حروف الفيلم كلها في الشاشة. واو، واحد من الأفلام التي تُعجبني و يروقني نمطها، خاصة أن الفيلم مقتبس عن قصة قصيرة، وأنا كثيرا ما أفكر طويلا في الأفلام التي تُقتبس من قصص قصيرة؛ أي كم هو مدهش هذا المخرج الذي يستطيع خلق فيلم كامل ومتكامل، مقتبس أو مأخوذ عن قصة قصيرة!  إن القصص القصيرة تُحاك وتُخلق أولا في رأس القاص/كاتبها؛ قصة صاخبة: الأصوات، الروائح، التفاصيل، الحركات، النغمات....